البحث

من الدهشة إلى الرواية

لا أبحث عن رواية. أبحث عن فهم.

ابدأ القراءة
«لا تبدأ رواياتي من حدث، ولا من حبكة، بل تبدأ دائمًا من دهشة.»
02

من الدهشة إلى الرواية

أكثر ما يدهشني في التاريخ ليس ما نعرفه، بل ما لم ننتبه إليه. قد يكون سطرًا عابرًا في كتاب، أو خبرًا قرأته، أو حكاية سمعتها من صديق، أو اسم شخصية مررت به للمرة الأولى دون أن أعرف عنها شيئًا.

في تلك اللحظة لا أقول: وجدت روايتي القادمة. بل أقول: ماذا لو عرفت المزيد؟ ومن هنا تبدأ الرحلة.

لا أبحث عن رواية. أبحث عن فهم.

أبدأ بفكرة صغيرة، أو بشخصية حقيقية عاشت يومًا ما، وكان لها أثر، كبيرًا كان أم صغيرًا. ثم أبدأ القراءة عنها، وعن زمنها، وعن الأشخاص الذين أحاطوا بها، وعن الأحداث التي شكّلت حياتها، والأحداث التي أسهمت هي في تشكيلها.

ومع كل كتاب أقرأه، وكل وثيقة أصل إليها، وكل سؤال أجد له إجابة، تظهر أمامي أسئلة جديدة لم أكن أتوقعها. وكثيرًا ما أكتشف أن الرواية التي ظننت أنني سأكتبها لم تعد هي الرواية نفسها. فالرحلة تغيّرني أنا أيضًا، قبل أن تغيّر الرواية.

لا أبدأ الكتابة عندما أشعر أنني عرفت كل شيء، فذلك لن يحدث أبدًا. أبدأها عندما أشعر أنني أصبحت أعرف الشخصيات بما يكفي لأن أتركها تتحدث. حينها لا تعود مجرد أسماء في كتاب، أو تواريخ في سجل، بل تصبح بشرًا لهم أصواتهم، ومخاوفهم، وآمالهم، وتناقضاتهم.

وعندها لا أعود أبحث عنهم، بل أتعلم كيف أنصت إليهم.

قد تستغرق هذه الرحلة أشهرًا، وقد تمتد سنوات. ولا أعد ذلك تأخيرًا، لأنني لا أقيس الزمن بعدد الصفحات التي أكتبها، بل بمدى اقترابي من العالم الذي أحاول أن أبنيه. فكل قراءة، وكل رحلة، وكل وثيقة، وكل تفصيلة صغيرة، تقرّبني خطوة من فهم ذلك العالم، ومن فهم الأشخاص الذين عاشوا فيه.

وعندما أشعر أنني أصبحت قادرًا على رؤية العالم بعيونهم، أعرف أن الوقت قد حان لأبدأ الكتابة. وحين أكتب، لا أشعر أنني أبدأ من الصفحة الأولى. أشعر أنني أواصل رحلة بدأت منذ اللحظة التي أثارت فيها فكرة صغيرة دهشتي، ثم قادتني إلى سؤال، وقادني السؤال إلى بحث، وقادني البحث إلى أشخاص لم أكن أعرفهم، وحكايات لم تكن تنتظر إلا من ينصت إليها.

لا تبدأ رواياتي من حدث، ولا تبدأ من حبكة، بل تبدأ دائمًا من دهشة.
المحطة التالية

ما أتركه للقارئ

ما الذي يبقى بعد الصفحة الأخيرة؟ ليس أسماء وتواريخ أكثر، بل نظرة أعمق إلى الإنسان والتاريخ.

انتقل إلى الصفحة التالية ←

محمد سعد

حيث يتحول التاريخ إلى رواية، ويعود الإنسان إلى قلب الحكاية.