لماذا أكتب
لم يحدث يومًا أن جلست لأكتب رواية لأنني أردت أن أروي التاريخ. فالكتب التي تؤرخ للأحداث كثيرة، وسيظل هناك من يكتبها ويضيف إليها. أما أنا، فما يشغلني منذ أن بدأت الكتابة هو الإنسان؛ ذلك الإنسان الذي وقف في لحظة فاصلة بين الخوف والشجاعة، بين الإيمان والشك، وبين ما يؤمن به وما فرضته عليه الحياة.
أبحث عنه بين صفحات التاريخ، لأنني أؤمن أن ما يبقى من كل عصر ليس ما شُيّد من قصور، ولا ما خيض من حروب، بل ما عاشه البشر في قلوبهم. ولهذا أكتب.
لا أبحث في الماضي لأهرب من الحاضر، بل لأفهمه. فكلما قرأت أكثر، ازددت يقينًا بأن الأزمنة تتغير، والحدود تتبدل، واللغات تختلف، لكن الإنسان يظل يحمل الأسئلة نفسها.
لهذا أجد في الماضي مرآة للحاضر، لا عالمًا منفصلًا عنه. تجذبني اللحظات التي تلتقي فيها الحضارات، ليس لأنها لحظات صراع، بل لأنها لحظات اكتشاف. فعندما يلتقي المختلفون، يكتشف كل منهم أن العالم أوسع مما عرف، وأن الحقيقة لا تُرى من زاوية واحدة. وفي تلك اللحظات، لا تتغير الأمم وحدها، بل يتغير الإنسان أيضًا.
رحلة تسمح لنا أن نعيش حياة لم نعشها، وأن نفهم أشخاصًا لم نلتقِ بهم، وأن ننظر إلى العالم بعيون لم تكن عيوننا. وأحسب أن أجمل ما يمكن أن يفعله الأدب هو أن يجعلنا أكثر فهمًا، وأكثر رحمة، وأكثر إنصافًا.
أحترم التاريخ لأنه ذاكرة البشر. ولهذا أقرأه بعناية، وأبحث في مصادره باجتهاد، وأتعامل معه بتواضع، مدركًا أن الحقيقة التاريخية أوسع من أن يمتلكها شخص واحد. ولست مؤرخًا، ولا باحثًا في التاريخ، ولا أدعي ذلك. أنا كاتب يحمل قلمًا، ويؤمن بأن الرواية تستطيع أن تعيد الإنسان إلى قلب الحدث، وأن تمنح الأصوات التي غابت عن السجلات فرصة لأن تُسمع، لا لتغيّر التاريخ، بل لتكشف وجهه الإنساني.
ربما تركت سنوات عملي في مجال الجودة أثرها في طريقتي في الكتابة. فقد تعلمت أن الحقيقة تبدأ من التفاصيل، وأن البحث الجاد يسبق أي استنتاج، وأن احترام الأدلة ليس عائقًا أمام الإبداع، بل أحد مصادر قوته. لكن الأدب علّمني درسًا آخر: أن الإنسان لا يُختزل في وثيقة، ولا في رقم، ولا في رواية واحدة للأحداث. فلكل إنسان قصة لا تظهر في أي تقرير، وتلك القصة هي التي أبحث عنها كلما بدأت كتابة رواية جديدة.
أؤمن بأن الحضارات لا تُقاس بما تركته من آثار فحسب، بل بما تركته من أثر في الإنسان. وأؤمن بأن الاختلاف لا ينبغي أن يكون سببًا للخوف، بل دعوة للفهم. ولهذا ستجد في رواياتي شخصيات تنتمي إلى ثقافات وأديان وأزمنة مختلفة، لا لأصدر أحكامًا عليها، بل لأقترب منها، وأحاول أن أفهم دوافعها، وضعفها، وأحلامها، وإنسانيتها.
لا أكتب لأخبر القارئ ماذا يفكر، ولا لأقنعه بما أؤمن به. أكتب لأنني أؤمن أن الرواية تستطيع أن تفتح نافذة يرى الإنسان من خلالها نفسه، ويرى الآخرين أيضًا.
فإذا أغلقت الصفحة الأخيرة، وخرجت من الرواية وأنت أكثر فهمًا لإنسان لم تكن تعرفه، وأكثر رحمة بإنسان كنت تظن أنك تعرفه، وأكثر إيمانًا بأن القصة الجيدة لا تغيّر الماضي، لكنها قد تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان، فسأشعر أن رحلتي مع تلك الرواية لم تذهب سدى.